الشهيد الثاني

804

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

الشروط ، ويرشدها إلى طريق الفلاح ؛ ثمّ لا يغفل عن مراقبتها ، فإنّه من غفل عن مراقبتها لم ير [ منها ] إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا انفرد بالمال ؛ ثمّ بعد الفراغ ينبغي أنْ يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها ؛ فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى ، وبلوغ سدرة المنتهي مع الأنبياء والشهداء ، وخسارتها والعياذ بالله عذاب جهنّم مع الفراعنة والأشقياء ؛ إذ ليس في تلك الدار إلا الجنّة والنار ، والجنّة أُعدّت للمتّقين كما أنّ النار أُعدّت للمقصّرين . فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهمّ كثيراً من تدقيقه في أرباح الدنيا ؛ لأنّها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ، ثمّ كيف ما كانت فمصيرها إلى التصرّم والانقضاء ، ولا خير في خير لا يدوم ، بل شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم ؛ لأنّ الشرّ الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائماً وقد انقضى ، والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائماً وقد انقضى الخير ؛ ولذلك قيل : أشَدّ الغَمّ عِنْدي في سُرورٍ تَيَقّنَ عَنْه صاحِبُه انتقالا « 1 » فحتم على كلّ ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أنْ لا يغفل عن محاسبة نفسه ، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها ؛ فإنّ كلّ نَفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوضَ لها ، يمكن أنْ يُشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمُه أبدَ الآباد ، فانقضاء هذه الأنفاس ضائعةً أو مصروفةً إلى ما يجلب الهلاكَ خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل .

--> « 1 » « ديوان المتنبّي » ص 140 ، ولاحظ « إحياء علوم الدين » ج 4 ، ص 418 .